لا يجرؤ الكثيرون على الحديث عن علاقتهم بالوالدين ، ولا يستطيعون إدراك نوعية هذه العلاقة ، طبعا هي علاقة انتماء وقرابة ونسب ، هذا لا يناقش ، ولكن الذي يناقش هو كيف يتعامل معك والداك وكيف تتعامل أنت معهم ؟ هل تخضع هذه العلاقة لظروف معينة و لتاريخ معين ولتراكمات معينة ولسلوكات معينة ، إنها علاقة قوية وحتمية وتخضع للضرورة ولا للاختيار ، وهذا ما جعلها علاقة من الصعوبة بمكان ، ويؤكد الخبراء في علم النفس والعلاقات الاجتماعية أن علاقة الشخص بوالديه أقوى علاقة على الإطلاق ولكنها تتعرض لكثير من التجاذبات والشد والجذب والضغط بحسب السلوك الصادر منهما عبر السنين تجاه الأبناء ، فليس هناك آباء يحسنون علاقتهم بأبنائهم بصفة مطلقة ودائمة ولكن بالمقابل هناك آباء يسيئون علاقتهم بأبنائهم بصفة دائمة دون قصد ، وأحيانا بقصد ٠
سلطة الأبوين سلاح ذو حدين ٠
إذا كنت أبا بعد أن كنت ابنا ستدرك بأن سلطة الوالدين على أبنائهم سلاح ذو حدين فإما أن يستعمل في صالح الأبناء أو يستعمل ضدهم وذلك خاضع لمزاج الوالدين باعتبار الأبناء تحت حمايتهم ، ويمكن أن يصنع الوالدان أعداء بسبب جهلهم لقوانين اللعبة ويعتقدون أن التحكم في كل شيء يخص الأبناء هو ما يسمى بالتربية الجيدة ، أو العكس ترك الحرية لهم وإهمالهم هو السبيل المريح للوالدين ، بمعنى لا يستطيعون معرفة الحدود الضرورية لكل سلوك ٠ومثل ما يقال عن الأب يقال عن الأم فهي أيضا تتجاوز الحدود المعقولة في مسألة التحكم في شؤون أولادها فإما أن تخنقهم وإما أن تبالغ في إهمالهم منذ الصغر إلى الكبر ، وغالبا ما تبالغ كثير من الأمهات في التحكم السلبي ٠ وفي حالات أخرى يحصل الإهمال والتخلي من الإثنين الأب والأم ، كل هذه الحالات هي التي تصنع العلاقة بين الآباء وأبنائهم وتعطي للمجتمع أبناء غير مرتاحين مع آبائهم وتعطي للآباء والأمهات أبناء يعانون في صمت من علاقتهم بوالديهم وهي أقسى أنواع المعاناة ٠
كيف يمكن صنع علاقة مع الوالدين بدون معاناة؟
كل من يحاول أن يقدم حلولا وصورة مثلى ومثالية لعلاقة الوالدين بأبنائهم فهو كاذب لأن هذه العلاقة ليست علاقة عابرة يمكن صناعتها ، إنها علاقة شديدة التعقيد وشديدة الخطورة ولايمكن إعطاء وصفة سحرية لها ، إنها علاقة مبنية على الحظ ، كل شخص له حظ مختلف عن الآخر في علاقته بوالديه وغالبا ما تكون العلاقة بالأم أفضل حالا من العلاقة بالأب ، أو العكس وهو قليل ، ونظرا لتعقيد هذه العلاقة فإن الخبراء ينصحون بالأمور التالية : أولا إدراك بأن هذه العلاقة حتمية وضرورية ولا يمكن حلها إلا بالموت ، ثانيا أن يحاول الشخص جعل مسافة أمان بينه وبين والديه بمعنى ألا يدخل معهما في نقاشات وجودية لا جدوى منها ، ثالثا أن يعتبرهما صديقين يزورهما في المناسبات إذا كان بعيدا في بلد آخر ويقدم لهما هدايا بدون انتظار المقابل٠ أما إذا كان قريبا فلتكن الزيارة بحسب الحاجة لا بحسب الرغبة ، فالوالدان يحتاجان إلى فترة هدوء وحرية في ممارسة حياتهم بدون إزعاج الأبناء الراشدين٠ رابعا ألا تحشر أنفك وأنت راشد وأب أيضا أو أم في شؤون والديك المتقدمين في السن أو تلومهم على شيء لا يخصك، إلزم حدودك مهما كانت الظروف ومهما كان تاريخك معهما ٠ فالمهم جدا هو أن تترك بصمتك إيجابية في علاقتك بوالديك وإن كان الإبتعاد عنهما لفترة معينة سينقد علاقتك بهما فلا تتردد في الابتعاد إلى حين٠

تعليقات
إرسال تعليق